العد التنازلي لمؤتمر باليرمو - خیبر

ميدانيات ليبيا:

العد التنازلي لمؤتمر باليرمو

10 نوفمبر 2018 18:20
ليبيا / العد التنازلي لمؤتمر باليرمو / خيبر

يوشك الوضع الليبي منتصف هذا الشهر من ان يدخل منعطفاً سياسياً جديداً، يأتي هذه المرة تحت مظلة إيطالية، وذلك من خلال مؤتمر باليرمو الذي سيعقد خلال أيام، وفيه تجتمع الكيانات الليبية الرئيسية الأربع، بجانب طيف واسع من ممثلي الدول والهيئات الدولية، لبحث ملفات خاصة بالأزمة الليبية، على رأسها ملفات الأمن والانتخابات والاقتصاد ومكافحة الهجرة غير الشرعية. هذا المؤتمر يأتي بعد انقشاع حذر لغبار معارك طرابلس الأخيرة، وفي ظل تحديات أمنية متزايدة في المنطقة الجنوبية.

معركة طرابلس انتهت.. ولكن!

على الرغم من إنتهاء المعارك داخل العاصمة الليبية، والتي دارت على مدار أكثر من شهر، فشلت خلال هذه الفترة عدة محاولات لوقف اطلاق النار. إلا أن عدم إيجاد حلول نهائية لمشكلة فوضى السلاح وتعدد المجموعات المسلحة داخل العاصمة، والجدل حول تبعية بعضها للجيش الليبي “المنقسمة قيادته ما بين برلمان طبرق والمجلس الرئاسي في طرابلس”، وكذا الاشتباكات المتقطعة التي تحدث ما بين الفينة والأخرى لأسباب واهية أغلبها يدور في فلك الصراعات الداخلية على النفوذ، كلها مؤشرات تدل على هشاشة الوضع الأمني داخل العاصمة بشكل عام، وهو ما دق ناقوس الخطر داخلياً وخارجياً، وساهم بشكل أساسي في تزكية وجهة النظر الإيطالية على حساب وجهة النظر الفرنسية التي تريد تنفيذ مخرجات مؤتمر باريس وعلى رأسها اقامة انتخابات ليبية عامة نهاية العام الجاري.

الهدنة داخل طرابلس تتعرض لاختراقات شبه يومية، خاصة في المناطق الجنوبية مثل مناطق الفلاح والهضبة، وقد تمت هذه الهدنة بين قوات ما يعرف باللواء السابع وبين كتائب العاصمة، برعاية الأمم المتحدة ولجنة المصالحة التي شكلتها حكومة الوفاق التابعة للمجلس الرئاسي، وبموجبها انسحبت وحدات اللواء السابع ولواء الصمود من المعسكرات التي كانت قد سيطرت عليها سابقاً في منطقة طريق المطار، على أن تحل تدريجياً وحدات تابعة لوزارة الداخلية بحكومة الوفاق مكانها، لكن هذه الخطة تشوبها مشاكل متعددة، أهمها انها لم توجد حلاً جذرياً لفوضى الميليشيات، التي تعتبر كل واحدة منها نفسها جزء من قوات وزارة الداخلية أو رئاسة الأركان التابعتين لحكومة الوفاق في طرابلس. كذلك تشهد العاصمة أيضاً اشتباكات داخلية بين كتائبها، كان آخرها في منطقة “الأشهر” شرقي العاصمة، ومنطقة “النجيلة” في الجنوب الغربي، وكذا اشتباكات على أطراف العاصمة منها اشتباك وحدات من الكتيبة ۴۸ مشاه مع عناصر من الغرفة الأمنية في مدينة صبراتة غربي العاصمة.

على مستوى عمليات مدينة درنة، حققت قوات الجيش الوطني المنضوى تحت لواء مجلس النواب في طبرق، تقدماً في آخر المناطق التي يتواجد في عناصر ما يعرف بـ “مجلس شورى مجاهدي درنة” في منطقة المدينة القديمة وحي المغار، حيث تم تطهير كامل حي المغار، وتمكنت القوات من اعتقال الضابط السابق في الجيش المصري “هشام عشماوي” وعدة عناصر إرهابية أخرى، ويعد عشماوي من أخطر الإرهابيين المطلوبين ليبياً ومصرياً، وساهم بشكل اساسي في تنفيذ أهم العمليات الإرهابية في كلا البلدين على مدار السنوات الماضية. يلاحظ هنا أن قوات الجيش الليبي تتحرك تدريجياً في اتجاه مدينة سرت، التي تسيطر عليها وحدات “البنيان المرصوص” المنضوية تحت قيادة رئاسة الأركان التابعة لحكومة طرابلس. فبعد أن كانت أقرب مواقع الجيش الليبي شرقي سرت تبعد نحو ۹۰كم عن المدينة، باتت وحدات الجيش حالياً على بعد ۵۰ كم منها، بوصولها الى مناطق وادي هراوة والعامرة وسلطان والقرضابية، وهو ما يؤشر لمحاولة محتملة من جانب هذه القوات لاقتحام المدينة، قد تتحدد بناء على نتائج مؤتمر باليرمو المرتقب.

توتر متزايد في المنطقة الجنوبية

خلال الشهر المنصرم، تعرضت المنطقة الجنوبية بجناحيها الشرقي والغربي لسلسلة من الأحداث الأمنية، تؤشر على أن هذه المنطقة ربما تكون مرشحة لاحتواء أي تصعيد أمني محتمل في الميدان الليبي، خاصة بعد اقتراب عمليات درنة من نهايتها، وتوقف المعارك في طرابلس. قوات الجيش الليبي في المنطقة الجنوبية باتت تواجه تحديات مستمرة سواء من جانب بعض القبائل الجنوبية أو عصابات التهريب وقوات الفصائل المعارضة السودانية والتشادية التي باتت تتخذ من المناطق الجنوبية الليبية قواعد لانطلاقها وتمركزها، أو حتى من جانب تنظيم داعش الذي باتت عملياتها متركزة بشكل أساسي في المنطقة الوسطى والجنوبية.

كتيبة “سبل السلام” التابعة لمنطقة الكفرة العسكرية اشتبكت مع عناصر من المعارضة التشادية في محيط واحة الجغبوب الواقعة جنوبي مدينة طبرق أقصى شرقي البلاد، بجانب اشتباك مماثل في منطقة أم الأرانب جنوبي مدينة سبها الواقعة جنوب غرب البلاد. كذلك قام عناصر من المعارضة التشادية باختطاف عدد من الأشخاص من بينهم أمنيين وعسكريين جنوبي مدينة تازربو الواقعة جنوب شرق البلاد، وتعرضت وحدات تابعة للغرفة الأمنية المشتركة في مدينة سبها لكمين مسلح في منطقة الغربيات الصحراوية الواقعة جنوبي المدينة. على أثر هذه التطورات، أعلن قائد الجيش الوطني خليفة حفتر عن بدء عملية عسكرية في المنطقة الجنوبية، تحت إسم “حوض مرزق”، تشارك فيها بالإضافة الى كتيبة سبل السلام أربعة كتائب أخرى.

في ما يتعلق بنشاط تنظيم داعش، كرر التنظيم هجماته السابقة على مدينة الفقهاء وسط البلاد والتي تقع جنوب مدينتي سرت وودان، وهاجم هذه المرة مركز شرطة المدينة، ثم هاجم تمركز أمني في منطقة بوابة ۴۰۰٫ استمرت كذلك بصورة متزايدة تحركات التنظيم في محيط مدينة سرت معقله السابق، حيث تم رصد تحركات لعناصره في مناطق الكيلو۷۰ والكيلو ۹۰ والكيلو ۱۱۹ جنوبي المدينة، كما عثرت كتائب تابعة للجيش الليبي على مخبأ وسيارات مفخخة تابعة للتنظيم في مناطق جنوبي مدينة هراوة.

تحركات ايطالية من أجل باليرمو

على المستوى السياسي، استكملت إيطاليا استعداداتها الدبلوماسية لحشد أكبر حضور إقليمي ودولي ممكن لحضور مؤتمر باليرمو حول ليبيا يومي ۱۲ و۱۳ من الشهر الجاري، التحدي الأساسي الذي يواجهها هو محاولة اقناع عدد معتبر من القادة والرؤساء لحضور هذا المؤتمر، بعد أن ضمنت بشكل تام حضور قادة الكتل الأربعة الرئيسية في الداخل الليبي وهم قائد الجيش الوطني خليفة حفتر، ورئيس المجلس الرئاسي في طرابلس فائز السراج، ورئيس مجلس النواب في طبرق عقيلة صالح، ورئيس مجلس الدولة خالد المشرى.

للعمل على تحقيق هذا الهدف قام المسئولون الإيطاليون بجولات مكوكية في المحيط الإقليمي والدولي لليبيا، فبعد زيارة رئيس الحكومة الإيطالية الى مصر وتونس، وحصوله على تأييدهما للمؤتمر، توجه إلى الجزائر، التي كان واضحاً من تصريحات وزير خارجيتها، اقتراب وجهة النظر الجزائرية في ما يتعلق بالشأن الليبي من وجهة النظر الإيطالية، خاصة بعد التوتر المكتوم الذي شاب العلاقة بين باريس والجزائر بشأن تطورات الملف الليبي مؤخراً، بسبب ما يراه الجزائر “تقاعساً” من جانب باريس عن كبح جماع المجموعات المسلحة في شمالي شرق مالي، وبالتالي تسببها بشكل رئيسي في التدهور الأمني الذي يشهده الجنوب الليبي. أفريقياً، كثفت الدبلوماسية الإيطالية تحركاتها خاصة في تشاد والنيجر والسودان من اجل حشد دعم افريقي واسع داعم للمؤتمر. على المستوى الأوروبي لم تتمكن ايطاليا من ضمان حضور على المستوى الرئاسي سوى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، لكنها حصلت على تأييد أوروبي في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لكسمبورغ، كما فشلت في اقناع الرئيس الروسي بحضور المؤتمر، لكنها حصلت على مؤشرات ايجابية جدا من جانب روسيا في ما يتعلق بمؤتمر باليرمو. تدور شكوك كبيرة حول امكانية مشاركة رؤساء اخرين مثل الرئيسين الفرنسي والأمريكي، لكن في المجمل تمكنت إيطاليا من ضمان تمثيل قائمة كبيرة من الدول في هذا المؤتمر منها مصر وتركيا والأمارات المتحدة وقطر وفرنسا وألمانيا وإسبانيا والمغرب وتونس وبريطانيا وتشاد وكندا والجزائر والصين والأردن ومالطا، بجانب الاتحادين الأوروبي والأفريقي والأمم المتحدة.

من أبرز النقاط اللافتة في هذا السياق، الدعم الألماني الواضح لإيطاليا في هذا الملف، فبالإضافة الى تأكيد المستشارة الألمانية على حضورها لصقلية، صدرت عدة تصريحات ألمانية أخرها كان من وزير الخارجية، الذب أثني على مؤتمر باليرمو، ورأى انه فرصة جيدة لتوحيد الموقف الأوروبي حول الملف الليبي، ملمحاً الى دور ألماني محتمل لتقريب وجهات النظر بين فرنسا وإيطاليا.

تراهن إيطاليا في هذا المؤتمر على تأكيد رؤيتها لحل الأزمة الليبية، والتي تتركز على ضرورة أقامة مصالحة شاملة بين المكونات الليبية قبل اي انتخابات، كما تراهن ايضا على اقامة مناقشات معمقة خلال المؤتمر حول المحاور الرئيسية الثلاث للحل في ليبيا وهي الأمن والاقتصاد والانتخابات، لكن قياسا على المستوى السياسي للشخصيات الدولية المشاركة في المؤتمر، ستكون مهمة تحقيق نتائج ملموسة في هذا المؤتمر صعبة جداً.

فرنسا تتراجع.. ولكن

الموقف الفرنسي من التحركات الإيطالية بدأت حدته في التراجع بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الماضية، هذا كان ملحوظاً بعد انتهاء اشتباكات طرابلس، وتصريحات المبعوث الأممي غسان سلامة حول استحالة إقامة انتخابات في ليبيا نهاية هذا العام كما كانت تنص مخرجات مؤتمر باريس حول ليبيا. وقد كانت التصريحات الفرنسية خلال الاجتماع الذى تم بين وزير الخارجية الفرنسية ووزراء خارجية ايطاليا والدول المجاورة لليبيا وشخصيات اخرى على هامش الاجتماعات الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة تدور حول مبدأ قبولها لتأجيل الانتخابات الليبية في حالة اتفاق الأطراف الرئيسية في هذا الملف على ذلك، مع تأكيدها خلال هذا الاجتماع وخلال اجتماع اخر تم منذ أيام في باريس بين وزير الخارجية الفرنسية ووفد مدينة مصراته المتوجه للمشاركة في مؤتمر باليرمو، على ضرورة استمرار الدفع باتجاه اقامة الانتخابات في ليبيا، لأنها هي السبيل الوحيد من وجهة النظر الفرنسية لتوحيد المؤسسات الليبية وإنهاء فوضي السلاح. النقطة الأهم في هذا الصدد تتعلق ببوادر تعاون بين فرنسا وإيطاليا في ما يتعلق بالملف الليبي، أولها هو زيارة وفد مصراته الى باريس قبل توجهه الى مؤتمر باليرمو في جزيرة صقلية. لكن المؤشر الذي يمكن من خلاله تحديد مستقبل رؤية باريس في الملف الليبي، سيكون حجم مشاركتها في مؤتمر باليرمو.

أطراف أخرى تنشط في الملف الليبي

كان للزيارة اللافتة والمفاجئة لقائد الجيش الليبي خليفة حفتر إلى موسكو قبيل أيام من بدء مؤتمر باليرمو، كان لها دلائل مهمة، خاصة مع تراكم الأدلة على المراهنة الروسية على قائد الجيش الليبي، وعلى قدرته في ضبط الأوضاع على الأرض، وعلى ما يبدو كان حفتر متردد للحظة الأخيرة في حضور مؤتمر باليرمو، لكن نجحت مساعي وزير الدفاع الروسي في إقناعه بالمشاركة، وتأكيد هذا القرار خلال المقابلة التي تمت بين حفتر ورئيس جهاز الاستخبارات الإيطالية، الذي حضر الى موسكو بصورة مفاجئة اثناء وجود حفتر فيها. أولوية موسكو في الملف الليبي حاليا اصبحت أكثر ميلاً للجانب الاقتصادي، فبعد نجاح الجيش الليبي في تأمين منطقة الهلال النفطي، ووصول معدل إنتاج النفط حاليا في البلاد الى نحو ۱٫۲۸ مليون برميل يومياً، وهو المعدل الأعلى منذ النصف الثاني من عام ۲۰۱۳٫ أعلنت شركة “تاتنفت” الروسية عن استئناف عملياتها في ليبيا، وبدأت عمليات تقييم وتجهيز سريعة الوتيرة لإكمال العمل في مشاريع الطاقة الروسية في ليبيا، والتي كانت شرارة انطلاقتها اتفاقية مهمة تم توقيعها عام ۲۰۰۷٫ منذ ذلك التاريخ أشترت روسيا من ليبيا ما قيمته ۱۱ مليار دولار من النفط والمشتقات البترولية.

المملكة المتحدة دخلت بشكل مفاجئ على خط الأزمة الليبي، لكن من زاوية مضادة للدور الروسي، وذلك من خلال مجموعة من المقالات الصحفية، والتصريحات لأعضاء في مجلس العموم، تتهم روسيا بإقامة قاعدتين عسكريتين لقواتها في الشرق الليبي، وبتهديدها لمنطقة غرب المتوسط، وسعيها لإقامة وجود عسكري دائم في ليبيا. كذلك عينت لندن سفيراً جديداً في طرابلس، تحرك بنشاط ملحوظ خلال الأيام الماضية من خلال لقاءات مع عدة مسؤولين أخرهم كان قائد الجيش خليفة حفتر.

تركيا كذلك سجلت دخولا علنياً مفاجئاً في الملف الليبي، بزيارة لم يعلن عنها مسبقاً لوفد رفيع من مسؤولين بوزارتي الخارجية والدفاع التركيتين برئاسة وزير الدفاع التركي الى طرابلس، تم فيها عقد لقاءات مع رئيس المجلس الرئاسي ومع قيادات في رئاسة الأركان التابعة لحكومة الوفاق، تبعها زيارة ايضا لم يعلن عنها مسبقاً لرئيس المجلس الرئاسي إلى إسطنبول، التقى فيها الرئيس التركي.

………………..

انتهی / ۱۰۲

  • facebook
  • googleplus
  • twitter
  • linkedin
لینک خبر : https://kheybar.net/?p=14542

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *