العِراق العربيّ العظيم أصبح بلا هُويّة وطنيّة جامعة مُوحّدة




إنّها ثورة المحرومين في العِراق وحذارٍ من تخوينها.. والوطنيّة والفساد لا يلتَقِيان.. والطائفيّة هي «أُم الكبائر».. والإصلاح الحقيقيّ هو السّد الأقوى في مُواجهة أيّ مُؤامرة أمريكيّة أو إسرائيليّة



وفقا لوكالة أنباء خيبر التحليلية نقلا عن رأي اليوم، عندما يُدرك المُواطن العِراقيّ المسحوق أن دخل بلاده من العوائد النفطيّة يزيد عن ستّة مِليارات دولار شَهريًّا، ورُغم ذلك لا يجِد لقمة العيش، ويشاهد الانهيار شامِلًا في جميع مؤسّسات الدولة، والخدمات العامّة من تعليمٍ وطبابة ومواصلات وماء وكهرباء في أسوأ أحوالها، بل أسوَأ من أكثر بُلدان العالم فقرًا، فلماذا لا يثور هذا المُواطن بعد أن طفَح كيله، وبات على حافّة الموت جُوعًا وقهرًا؟
لا تقولوا لنا إنّها مُؤامرة أمريكيّة ردًّا على فَتح معبر البوكمال مع سورية، أو سيطرة النّفوذ الإيراني، في مُحاولةٍ لحرف الأنظار عن السّبب الرئيسيّ الذي كان هو عود الثّقاب الذي أشعل هذه الانتفاضة الشعبيّة المُباركة، ألا وهو الفساد، وعلى مُستوى الحُكومة ورجال الدين وقادة الأحزاب، وكُل أعضاء النّخبة الحاكمة في البِلاد، وخاصّةً أولئك الذين جاءوا على ظُهور الدبّابات الأمريكيّة وسهّلوا له مهامه في تدمير العِراق واغتيال عُلماءه، ونهب ثرَواته.
أكثر من تريليون دولار جرى سرقتها من قبل الفاسدين من ثروات العِراق وماله العام، من قبل من ادّعوا أنّهم حرّروا العِراق، وأعادوا إليه الحريّات الديمقراطيّة، وخلّصوا البِلاد من شُرور الديكتاتوريّة، حتى أصبح العِراق يحتل المرتبة الثالثة كأكثر بلاد العالم فَسادًا.
هؤلاء ومن ضمنهم كُل الذين تحمّلوا مسؤوليّة الحُكم في العِراق مُنذ عام ۲۰۰۳ وحتّى هذه اللّحظة، مِثل السيّد عادل عبد المهدي، رئيس الوزراء الحالي، هم الذين أوصلوا البِلاد إلى هذا الوضع المُزري، وبدعمٍ من العمائم الطائفيّة، بألوانها البيضاء والسوداء والبنفسجيّة، ومن كُل الطوائف دون استثناء.
العِراق العربيّ العظيم أصبح بلا هُويّة وطنيّة جامعة مُوحّدة، وإنّما فُسيفساء من الانتماءات الطائفيّة المُتناحرة، حيث الولاء المُطلق للطّوائف وليس للوطن، الأمر الذي ألغى كُل مفاهيم السيادة والكرامة الوطنيّة وفتح الباب على مِصراعيه أمام النّفوذ الخارجيّ، وخاصّةً الأمريكيّ والإيرانيّ.
آلاف المِليارات من الدولارات دخَلت الميزانيّة العِراقيّة، ورغم ذلك لم تقُم هذه الحُكومات الفاسدة بإقامة مُستشفى جيّد، أو مدارس، أو جامعات، أو جُسور، أو مصانع، أو وحتى جيش وطنيّ قويّ، لأنّ كُل ما يهمّها هو النّهب والسّرقة وتوزيع الغنائم على الأبناء والأقارب ورَهطٍ من المُنافقين.
تعالوا إلى لندن، وباريس، وبيروت، ودبي وشاهدوا الشركات والقصور الفارهة، والسيارات الفخمة التي يملكها أبناء وأقارب النخبة السياسيّة الحاكمة، بينما الشعب العِراقي في أغلبيّته، والشيعيّة على وجه الخُصوص، يُعاني من شُحِّ المياه، ونقص الكهرباء، وانعدام فُرص العمل من جرّاء البِطالة، والشُّح الشّديد في الأدوية، واستِفحال الوفيّات من جرّاء سوء أوضاع المُستشفيات.
أبناء النّخبة الحاكمة ومُعظم رجال الدين لا يعرِفون مثل آبائهم، أوضاع المُستشفيات في العِراق، ولا يشعرون بمُعاناة الفُقراء المَسحوقين، لأنّهم بكُل بساطةٍ يتعالجون في الخارج، ويتعلّمون في مدارس لندن وباريس وجامعاتها، ولا يركبون المُواصلات العامّة، ويملكون مولّدات كهربائيّة خاصّة، تُغنيهم عن كهرباء الدولة المَقطوعة مُعظم الأوقات.
الشعب العراقي الكريم الشّهم مَطعونٌ في كرامته، وعزّة نفسه، وكبريائه وانتمائه، وسيادته الوطنيّة، وأوضاعه تسير من سيء إلى أسوأ، وعندما ينفجر احتقانه غضبًا، يأتي هُناك من يُشكّك في ثورته المَشروعة هذه، وتخوينها، خاصّةً من قبل أولئك الذين يُقيمون في قُصور المِنطقة، الخضراء الآمنة، ويحتَمون بالسّفارة الأمريكيّة.
من يُشارك في هذه المُظاهرات المشروعة ليسوا البعثيين، ولا أنصار النظام السابق، وإنّما المخدوعون والمهمّشون والجائعون من كُل الطوائف العِراقيّة، وأهل الجنوب خُصوصًا الذين تاجر تجّار الديمقراطيّة الأمريكيّة بمُعاناتهم، وحصَدوا المِليارات في حِساباتهم في الخارج.
من يُريد أن يتصدّى للمُؤامرة الأمريكيّة الإسرائيليّة عليه أن يكون وطنيًّا عِراقيًّا أوّلًا، وأن يُحارب الفساد، واستعادة الثروات المنهوبة، وتقديم الفاسدين ونسلهم الأكثر فسادًا إلى محاكم عادلة نزيهة لينالوا العِقاب الذي يستحقّونه.
ثورة الشعب العِراقي هذه مشروعة، ولا نُبالغ إذا قُلنا إنّها تأخّرت، وإغلاق الباب في وجه مُحاولات استغلالها وتوظيفها في خدمة المشاريع الأمريكيّة الإسرائيليّة لا يتم إلا بالتّجاوب مع مطالبها في الحياة الكريمة، والخدمات الجيّدة، والوظائف المُلائمة للشّباب، وفي الخِتام نقول إنّ الفساد والوطنيّة لا يلتقيان، مهما حاول المُنافقون خلطهما.
حمى الله العِراق العظيم، وشعبه الوطنيّ الشريف، من أولئك الذين يدّعون أنّهم مُمثّليه، ونُخبته، فهؤلاء هُم الأعداء الحقيقيين، والسّبب الحقيقي لمُعاناته.

…………………….

انتهی / ۱۱۳