دولة الشرّ: الديمقراطية الزائفة - خیبر

دولة الشرّ: الديمقراطية الزائفة

24 نوفمبر 2018 15:46
دولة الشرّ الديمقراطية الزائفة / جون زافييه / خيبر

إنّ الحضارة اليوم هي في حالة من الخطر المميت؛ إذ إنّ الرأسمالية الدولية تودي إلى الخراب الدائم للديمقراطية والحيوية الثقافيّة. وإنّ العالم يحتاج إلى حركة تعيد إرساءَ مبادئ الحرية والعدالة في مكانها الصحيح بوصفها أولوية مقـدَّسة.

يقدّم كتاب “دولة الشرّ”، الذي ألّفه الكاتب جون زافييه، تحليلًا للوضع السياسيّ المعاصر الذي يسود مسرح الحياة اليومية في كثير من الدوَل المتّسمة بطابع الديمقراطية وصونِ الحريات الشخصية. فيحث زافييه على الانتفاض في وجه النظُم الحاكمة القامعة لشعوبها، ويثمّن الحرية الشخصية بوصفها ضمانًا للإبداع، كما يبحث مفهوم “العقد الاجتماعي” الذي طرحه المفكّر توماس هوبز، وجدليّةَ “إطلاقه أو تقييده”.

ويصف زافييه “غائـيّة” الموتِ معـيارًا لسلامة المجتمع، ودليلًا على عظيم قيمة المجتمع في نفوس أفراده. ويتطرّق كذلك إلى مفاعـيل الخداع والاستغلال، ويشرح فـلسفة الثراء والجريمة والحـرب والخوف، لدى “البلوتقـراطيا” الحاكمة… ويرثي حرية التعـبير المكـبَّلة قانونـيًّا.

 فـليقـتـلِ العبدُ سيّدَه

يقول الكاتب إنّه يحق لكل مستعبَد أن يقتـل سيّده؛ لأنّ لكل شخص حقًّا جوهريًّا في الحرية… وعليه، يحق لكل شخص اعتمادُ جميع الوسائل المتاحة لتحقيق تلك الحرية. بالتالي؛ ينبغي أن يسري هذا المبدأ على الأنظمة السياسية. فالجميع لهم حق تدمير نظام حاكمٍ يقمعهم ويسلب حريتهم.

ويكمل الكاتب بأنّ مِثالَي العدالة والصدق يفرضان واجبات علينا. فإذا أردنا فعلًا أن نعيش في عالم يسوده العدالة والصدق، يتوجّب علينا أن ننتـفض في وجه أية حالة قمع أو غيرها ممّا قد يؤذي هذين المثالَينِ. وإذا كنّا نعي وجودَ مَظلمة، ولم نحرِّك ساكنًا لدرئِها، فهذا يعني أنّنا راضون عنها وموافقون عليها. إنّ عدم الانتفاض في وجه الشرّ هو عين المشاركة في ذلك الشرّ الذي يسود عالمنا. وفي مثـل هذه الحالة، ثمة مسار وحيد يتجلّى… هو الحرب!

ويشير الكاتب إلى أنّ الدفاع عن الحق في الحرية الشخصية، هو الهمّ الأوّل للمجتمع الحـرّ. إلّا أنّ الحرية لا يمكن صونها طويلًا من خلال الوسائل الدفاعية فحسب. فإن كان المجتمع رجعيًّا فسيشهد حتمًا تآكل القوانين التي تحميه وتحمي السلطة السياسية فيه. ومع استفحال هذا التآكل، ستتضرّر جميع مناحي الحياة المجتمعية، إلى أن يبدأ نسيج الثقافة السائدة بالتفكّك، فتـندلع الثورة ويقع الانهيار الاجتماعي. ويُظهر التاريخ أنّ هذه الدورة تتوالى منذ بدء الحضارة الإنسانية، وتزداد استفحالًا مع مرور الوقت، مهدّدة بأن تحدِث كارثة لا يمكن إصلاحها. فعلًا؛ إنّ العمل من أجل ترسيخ الحرية يستوجب تثـقيف أنفسنا حول معنى أن نكون أحرارًا بحقّ.

الحرية الشخصية ضمانًا للإبداع

إنّ خُـلُقيات المرء تـنبع من طبيعة شخصيته. لذا، لا تقدر أية مناشدة للضمير أن تكون مقـنعة ما لم تؤثّر، في النهاية، على شخصية المرء. هذا يستتبع تراتبية ديناميكية من القـيَم، تكون الحرية الشخصية فيها أساسًا موضوعيًّا. فمهما كان المرء محتارًا، فإنّ خياراته تبقى العامل المحدّد الأكثر نفوذًا في إنتاج القـيَم التي يتبنّاها. وإنّ الحرية الشخصية هي ذات القيمة الأعلى؛ وجميع القـيَم الأخرى تأتي بعدها؛ إذ من دون هذه الحرية الشخصية، لا يمكن اعتبار ما عـداها قـيَمًا مستقلّة. فكلّ إنجاز تحقَّـق على يد الإنسان كانت بدايته في ممارسة الحرية الشخصية.

إنّ أفضل المجتمعات هو ذلك الذي يوزّع فرص حرية الاختيار بالتساوي بين جميع أفراده؛ لأن القيام بهذا التوزيع هو السبيل الوحيد لتـفعيل القابلية الخلّاقة كاملة لدى الأفراد، وبالتالي الاستفادة من أكبر قدر ممكن من المساهمة الخلّاقة من الأفراد تجاه المجتمع ككلّ.

إلّا أن العناصر الفاسدين في المجتمع، الذين تجد رغباتهم الأنانية رضاها في استغلال الآخرين، سيقفون عائـقًا أمام إتاحة مجال الإبداع الخلّاق لباقي أفراد المجتمع. وهؤلاء العناصر الفاسدون هم أقـلية، يشوب تفكيرَهم الطموحُ بأن يُخضِعوا الناسَ لأوامرهم في إطار علاقات مذلّة؛ ويبغون دومًا العيشَ على حساب غيرهم. فهم حتمًا أعداء الحرية، ويجدون متعتهم في قمعها. إلّا أنه يظلّ من الممكن لهؤلاء أن يتحوّلوا إلى تبنّي قيم الحرية والعدالة؛ لكن، بحسب الكاتب، إذا كانوا واعينَ للعذابات التي يتسبّبون بها، ولا يأبهون لذلك، فينبغي حينئذ تدميرُهم. فإنّ المناشدات المهذّبة لن تنفع معهم.

“العقد الاجتماعي” راعي الحرية الشخصية

إن الكثير من الآيديولوجيات والمنظّرين أعطوا الأولوية للمُثُـل الاجتماعية على حساب حاجات الأفراد؛ إلّا أن ذلك، بحسب الكاتب، خطأ بيّن… فكل معالم المجتمعات متّسمة بتأمين حاجات الفرد بنمط يفوق مقدرة الفرد على تأمين حاجاته بمفرده. وقد رسّخ المفكّر “توماس هوبز” حقيقة أنّ جوهـر المجتمع يكمن في اتفاق يكون بمثابة “عقد اجتماعي”، بمعزل عن مدى خفاء هذا العقد وباطنيتـِه.

وإذا كان تبرير وجود المجتمع قائمًا على أسس من العلاقة الابتدارية، فإنّ الحقوق المشروعة لكل فرد ومؤسسة ستنتهي بانتهاء عنصر التوافق بين أي طرفينِ أو أكثر. وفي عالم يحكمه الخداع بالوتيرة التي تـشهدها مجتمعات حاضرنا، لا يمكن التوقع إلّا بأنّ أية فكرة قاتـلة للباطل سيتم قمعها.

ويتساءل الكاتب؛ هل مبدأ “الاتفاق” (العقد الاجتماعي) مقيّد بطريقة أو بأخرى؟!… إذ لا يمكن لأي فرد أن يمنع هذا “الاتفاق” عن الآخرين، في ما يخصّ السلوك الحـرّ (والمسؤول) الذي يحمي الحرية الشخصية لأي فرد من هؤلاء الآخرين. مثلًا؛ إن المبادر بتهجّم جسديّ على غيره لا يحقّ له، عقلًا، أن يحتجّ ويعترض على استعمال القوّة الجسدية من قِبل المتضرِّر الذي يحاول الدفاعَ عن نفسه.

القمع وصُـوَرُه… و” تدميرُه “

عندما تأخذ الحرية مداها، ينتظم حال المجتمع، ويحترم الناس حرية بعضهم البعض. وعلى العكس من ذلك، عندما يسود القمع في المجتمع، ينشأ عـدم الانتظام الذي يؤدي إلى الفساد. الفساد هو اختلال سياسي يعترض عملية تحقيق القـيَم الخيّرة. والقمع يبرّر نفسه من خلال النفاق، ويعمد المستبدّ القامع إلى فرض قوانينَ لا تتلاءم مع مصلحة العامّة.

إنّ بعض الأنظمة التوتاليتارية كان انعدام العدالة فيها واضحًا، إلّا أنه غالبًا ما يكون انعدام العدالة مخفيًّا لا يلاحظه العامة في مجتمعات تحكمها هكذا أنظمة. وطبعًا من الصعب جدًّا على المقموعين في المجتمعات التي يتخفّى فيها القمع ويستتر، أن يقاوموا هذا القمع وينظّموا صفوفهم لمواجهته؛ فهُـم غير منتبهينَ أصلًا إلى وجود قمع يطال حُسنَ حالهم لينتـفضوا ضدّه.

ويجري القمع المستتر في كثير من مناحي حياة المجتمعات… فقد يتّخذ قاضٍ في محكمة حُكمًا قمعيًّا غير عادل في حق متّهم ما، وقد يجري في إحجام مصرف ما عن منح قرض لمن يستحقّه ويحتاج إليه، وقد يجري في تصويت أحد الساسة على تمرير تشريعٍ ما، لا خير فيه على مصلحة المواطن، أو في عـدم التصويت على آخر يكون فيه الخير الذي يتوسّمه المواطن.

وكلما كان ظاهر المجتمع يُـبدي وجهًا عادلًا، كان تسيير القمع فيه أسهل من قِبل الجهة الحاكمة. وكلّما كان عامّة الناس واعينَ لكونهم واقعين في الاستغلال، كان أسهل عليهم أن يرفضوا المشاركة في الأطر المجتمعية التي يعتمدها المستبدّ القامع بما يخدم مطامعه وطموحاته الشخصية. إن الحكّام المستبدين القامعين يفرضون على عامة الناس قوانينَ لا يرضون هم أنفسهم بأن يتقـيّدوا بها… ويعطون وعودًا ويدّعـون الْـتزاماتٍ لا يفون بها. بالتالي؛ فإنّ التحرّر الحقيقي يستتبع “تـدميرَ” الحُكم القامع وخلعَ الحاكم الذي يديره.

وفي ما يسمّى “الديمقراطية التمثيلية”، وهي نظام يفضّله الحاكم القامع ليستتر به وصولًا إلى هدفه الشخصي؛ يتم توجيه المسؤولين التنفيذيين، والمشرّعين، لخدمة مخطّطات هذا القامع، إلى حين تعاظم النقمة الشعبية وانعدام ثقة الناس بالقيادة، فيعمد الحاكم القامع إلى عزل أولئك المسؤولين المنتخَبين، ثم يُـوْلي أمرَ خداع الناس إلى سياسيين ماكرين جُدُدٍ يعِدون بالإصلاح والأمانة ثم لا يفون بذلك، ضمانًا لمصلحة مشغّلهم الحاكم القامع.

إنّ القمع يخرّب نسيج التعاون الاجتماعي.. ثم يصبح الناس إمّا مولَجين بالسلوك الفاسد الذي يقمع حياتهم كشعوب مقهورة، وإما شـكّاكين في مدى جدوى المشاركة الاجتماعية، فيَحرمون المجتمع بذلك من محاسن مساهماتهم المحتمَلة فيه. وفي كلتا الحالتين سيعاني المجتمع ككلّ.

ويعتبر الكاتب أنّ ما لا يلاحظه القامع هـو أنّ سلوكه يضرّ بالمجتمع ذاته الذي يعتمد القامع عليه ليؤمّن حُسنَ حالِه. الأمر أشبه بأغضان شجرة تخنق جذور هذه الشجرة… فمع كون هذا الفعل قد يشبع رغبة لدى الأغصان لفترة قصيرة، فإنه ليس من صالح هذه الأغصان على المدى البعيد، فمصيرها آيل إلى الذبول والهلاك آنئـذٍ. ويبقى أنّ الذين يملكون الثروات الهائلة، ويستفيدون أكثر من غيرهم من مسارات أحوال المجتمع، هم مَن يلقى المجتمعُ خرابَـه على أيديهم.

“غائـية” الموت تصون قيمة المجتمع

يعتبر الكاتب أنّـه إن لم يكن ثمة شيء في حياتنا يستحق أن نموت من أجله، إذن فنحن نعيش أسوأ حالات الفقـر. فحياة الوالـدَين تجد لها معنًى عندما يكونان مستعدّينِ للموت من أجل أولادهما، ويكون لحياة الجنديّ معنى عندما يكون مستعدًّا للموت من أجل وطنه، وحياة الفيلسوف يكون لها معنى عندما يكون مستعدًّا للموت من أجل معرفة الحقيقة.

فما الذي قـد يدفع كلًّا منّا للموت من أجله؟

الكثير منّا لن يجد في حياته ما هو أكثر أهمية من حفظ نفسه وحياته. وهكذا قد نقدر على إطالة أمد حياتنا… لكن إلى أي حدّ؟ وما جوهـر حياة نعيشها طويلة الأمد؟ فأنْ يعمّر شيء ما لمدة طويلة، لا يعني أنه صار ذا قيمة أعلى… بالتالي فإنّ الحياة التي تزيد أمدها فحسب، وتبقى قليلة المِحال، هي حياة فاقـدة لرونق وجودها. وإنّ الحياة الأبدية ذات الأمان الخجول ستكون أشبه بجحيم!.

إنّ استعدادنا للموت يمنحنا معيارًا نعرف به ما الذي يمتـلك قيمة فعلًا. وهذا الاستعداد كذلك يؤمّن وسيلة لتقييم أهمية المجتمع. إنّ سلامة أي مجتمع تنسجم مع مدى استعداد أفراده لتقديم التضحية من أجله. وهذا يؤدّي، بحسب الكاتب، إلى العدالة والازدهار والأمن… وهذا كله يشي بمستقبل أفضل لهكذا مجتمع. فسواء كنّا نعاين مجموعة أفراد، أو حضاراتٍ برمّتها، فإنّ أهمية هذه الأطُر الاجتماعية تكمن في مدى قوّتها الإبداعية وفي قدرتها على حشد الأفراد كي يبذلوا جهدًا أكبرَ ويقدّموا إبداعًا أكبر لصالح المجتمع ككلّ. ولكن عندما يفقد المجتمع القيمَ التي تحرّك الإبداع فيه، فلن يكون في مقدوره بعدها أن يُـلهم الأفرادَ أن يكونوا منتجين اجتماعيًّا… وعندها سيفقد المجتمع وهجَه وحيويّـته. وعندما يمسخ الفساد والغشّ والاستغلال، الممتـدّة لأجيال، ثقةَ الشعب بمؤسسات مجتمعه وممثّـليه من الساسة؛ تكون نهاية ذلك المجتمع وشيكة.

خداع واستغلال.. حرفة الساسة الوصوليّين

إنّ أكثرية مَن يتولّون مناصب ذات سلطة هائلة اليوم، هم فاقدون للمبادئ الأخلاقية. فهُم يكذبون ويسرقون ويقتلون بمقدار ما تسمح لهم الظروف؛ ويحمون أنفسهم من عواقب ما يقترفون، من خلال إبقاء جبهة موحَّدة تجمعهم في حيّز خداع الجماهير.

أولو المناصب هؤلاء يتبارَون في ما بينهم، على صعُد عدة؛ لكنّ إدراكهم لحيثيتهم الاجتماعية النافذة يجعلهم يحيّدون أي خلافات تكون بينهم، إبقاءً لسيادة الجهل في أوساط الجماهير حيال طبيعة هؤلاء الاستغلاليين المخادعة.

إذن؛ هؤلاء الساسة يعتمدون خطابًا سياسيًّا مهندَسًا وفق نسق ينسجم مع طبيعة أهدافهم ضمن الدولة التي هم فيها، ويحرصون على مواصلة حرف أنظار الجماهير عن أهدافهم الاستبدادية، ويوجّهون طموحاتهم السياسية بما لا يتنافى مع هيكلية السلطة المتاحة لهم.

إن الذين يمسكون بزمام السلطة يقومون بما في وسعهم لتحويل الاستياء الذي لدى الناس، والمعارضة التي تنشأ نتيجة هذا الاستياء، إلى حركات سياسية يكون رؤساؤها ومحرّكوها أشخاصًا يعملون لصالح هؤلاء المُـمْسكين بالسلطة، أو إلى مسارات تفضي إلى تجميد فاعلية الحراك المعارض الذي يهدّد بقاء هؤلاء الاستغلاليين في حيّز السلطة. فجميع أنظمتنا السياسية تقوم على الكذب!.

إن الولايات المتحدة الأميركية هي أكثر دوَل العالم مقدرة على التلاعب بجماهير الشعب. فالنظام الثنائي القطبية القائم في الولايات المتحدة، استطاع أن يقسّم النزاع السياسي بين طرفين متساويين، كلاهما تسيطر عليه طبقة واحدة حاكمة ومهيمنة على المسار السياسي الأميركي. كذلك استطاع هذا النظام أن يخلق مناخًا سياسيًا قائمًا على الخوف؛ إذ يخشى أتباع كل طرف سياسي من “المآرب المتطرّفة” للطرف الآخر، فنجد اليساريين مضطرين إلى مناصرة الحزب الديمقراطي، وإلّا فسيعمد الحزب الجمهوري إلى اضطهاد الأجانب داخل الولايات المتحدة، ونجد اليمِينـيـيـن مضطرّين إلى مناصرة الحزب الجمهوري، وإلّا فسيمرّر الديمقراطيون تشريعًا يمنح الحكومة سُلطة فرضِ الإجهاض الإجباريّ.

العبقرية الكامنة في هذه الثنائية القطبية، هي أنّها تجعل مناصري أحد طرفَي هذه الثنائية يَحـتَمون بحـزب يسيطر عليه مَن يقمعهم فعلـيًّا، خوفًا من بطش الحزب الآخر الذي، كذلك، يهيمن عليه القامعون أنفسُهم!. يحصل كل هذا من دون وعي الجماهير لهذا الواقع الاستغلالي الممنهَج.

والأمر عينه يسري على دوَل غير الولايات المتحدة، كروسيا والصين وغيرهما… فالسلطة الحاكمة في هذه البلدان، بحسب الكاتب، تعمد إلى ترسيخ سطوتها على الحُكم من خلال تخويف جماهير الشعب من “خطر خارجي” يهدّد سلامة المجتمع الداخليّ. ويكون هذا “الخطر” مصطنعًا كـلّـيًّا مِن قِـبل السلطة الحاكمة حتى تتمكّن من توجيهه بشكل كامل، ومن ثَــمّ تسخّر هذا “الخوف” لتعزّز مشروعيّة بقائها في الحُكم، وتوسّع مدى سيطرتها على البلاد. فالطريقة المثـلى أمام الراعي لترويض أغنامه الوشيكِ ذبحُهم، هي أن “يقـنعهم” بأنّهم في مكان آمن من الذئاب!… والأمر لا يتطلّب أكثر مِن حَبْـكِ قصّة مقنعة تبقي الشعب خاضعًا لسلطة الأمر الواقع.

فـلسفة الثراء و”عُـدّة شغـلِه”

على مدى حياتنا يقال لنا الكثير من الأكاذيب مِن قِبل السلطة. ومن هذه الأكاذيب أنّ الفقر شيء تحاول المؤسسة الحاكمة في البلاد التخلّصَ منه. وتقول الأسطورة إنّ كلًّا منّا، سواء كان غنـيًّا أو فقيرًا، لديه مصلحة في التخلّص من شظف الفقر؛ وهذا كذب محض!. فكل من يرغب في تولّي مكانة مرموقة في المجتمع، يتفوّق فيها على غيره من الناس، لديه مصلحة في تهميش الباقين عن امتلاك الثروة. وكلّ مَن يرغب في إخضاع الآخرين لأمره وتسخيرهم لخدمته، ستكون لديه مصلحة في إفقارهم (بوصفهم طبقة عاملة كادحة)، وهكذا يرتقي بمكانته الاقتصادية-الاجتماعية. وهذا ضرب من ضروب الاستِعْـباد.

الحقيقة، كما يراها الكاتب، هي أنّ كل شخص غنيّ يستلزم أن يكون مقابلَه ألف شخص فقير. فالفقر هو أداة تستغَـل من أجل تحقيق الثروة.

ولنتخيّل أنّ جميع الناس يمتلكون مليون دولار. فمن ذا الذي سيقبل بالعمل في الوظائف المتعِبة والكئيبة المطلوبة في عالم التجارة والأعمال في الحضارة الحديثة؟… لن يقبل عاقل (ثريّ) واحد بأن يشقى في عملٍ يعملُه ما دام ثريًّا.

إلى ذلك؛ إذا كان الجميع لديهم مليون دولار، فلا قيمة فعلية تبقى لهذا المقدار من المال. إذن؛ “سُـلطة” المال، وسلطة الذين يملكون المال، تعتمد على أن يكون باقي الناس في حاجة إلى هذا المال ومفتـقرينَ إليه.

ويعمل النافـذون الاقتصاديون في المجتمع على تعزيز “الفقر المصطنَع”… وهو أن يظفر المتموّلون بالموارد الطبيعيّة الموجودة في مساحات أراضي البلاد، وأن يجعلوا طبقة العمّال الكادحين مَلهـيّيــن بتأمين حاجاتهم الأوّلـيّة، فلا يبقى لديهم من الوقت للطموحِ إلى الاسـتـئـثـار بالموارد الطبيعية والتفكيرِ في تسخيرها لصالحهم. وهذا كلّه يتجلّى بقوّة في القارة الأفريقية. فالقوى الخارجية تظفر بالموارد الطبيعية للقارة الإفريقية بأقلّ التكاليف الممكنة؛ من خلال منع الدوَل الإفريقية من بناء منظومة صناعية محـلّـيّة متينة، ومنعها مِن تطوير حالة “طلبٍ” محلية منافسة على الموارد الطبيعية.

إذن، الانعـدام النسبي للتنمية في القارة الأفريقية ليس وليد عواملَ محليّةٍ فحسب، بل هو نتيجة للتدخّل الخارجي كذلك. وقد عمدت الدوَل الكبرى إلى زرع الحكّام المستبدّين الديكتاتوريّـين في البلدان الأفريقية، الذين يسمحون للمصالح التجارية الدولية الكبرى باغتصاب خيرات بلادهم، ثـمّ بالتبرّع الكثيف والمستمرّ بالألبسة للشعوب الأفريقية الفقيرة، وهو أمر خادع يرمي إلى منع تنمية الصناعات القماشية المحـلية، حتى لا تستقلّ هذه الدوَل الفقيرة عن الارتهان لقرار وسيطرة الدوَل الخارجية الكبرى اقتصاديًّا وسياسيًّا. وهذه حرب اقتصادية على مستـوًى عالميّ.

الجريمة أداة السلطة وذريعـتها!

ليست الجريمة دائمًا وبالًا على الدولة… فالدولة عندما تبني السجون وتعمل على صيانتها، تسمح بذلك للأثرياء بجـنْي المزيد من الأرباح، وتخدم مصلحة طبقةَ الأثـرياء من خلال فرض الضرائب على جماهير الشعب بنحو لا تقدر معه هذه الجماهير على تحقيق الحرية الاقتصادية. ومن دون هذا الإجراء، كان نظام استغلال العمالة الرخيصة لِـيَنهار.

ومن أجل تبرير بناء السجون، على الطبقة الحاكمة أن تعزّز من استفحال الجريمة في المجتمع، فتـلجأ “البلوتـقراطية” (طبقة الأثرياء الحاكمة) إلى سياسات عامّة تُـــرَكـِلجُ حالات الجريمة؛ فلا تكثُـر الجريمة بنحو يزداد معه الاستياء العام لدى الناس (ما قد يؤدّي إلى انعدام الاستقرار السياسي، وهذا يضرّ بسلطة الأمر الواقع)، ولا تقلّ الجريمة بنحو تنعدم معه اللامساواة في توزيع الثروة (وهذه اللامساواة هي المراد أصلًا لتعزيز سطوة أهل السلطة والأثرياء الذين يدورون في فَـلَكِهَا).

والأمر عينه ينسحب على مؤسسة الشرطة، وعلى القضاء. فإنّ عالَمًا خاليًا من الجريمة، لا حاجة فيه إلى اعتماد كمّ كبير من عناصر الشرطة أو مؤسسات العدالة في البلاد.

فينبغي للجريمة أن تصونها الدولة!. وإنّ اعتقادنا بخلاف ذلك هو بمثابة تصديقنا بأنّ لمحامي طلاق مصلحةً فعلًا في إنهاء مشكلة زوجين متخالفَينِ… للأسف؛ الحقيقة هي أنّ أولئك الذين وكّلناهم بالقضاء على الجريمة، هم أنفسهم مَن يعتمدون على استفحالها من أجل إبقاء سلطتهم ومعيشتهم. وهذا يعني أنّ أولئك الذين يعتـلون المناصب العليا في هيكل مؤسسات العدالة في الدولة، هم متواطئون أخلاقـيًّا وماديًّا في جميع حالات السرقة والاغتصاب والقتل الناتجة عن مقارباتهم المتعمَّدة الفشل في إيقاف الجريمة.

الحـرب والخوف وقبضة الاستبداد

الخوف هو أسهل طريقة للسيطرة على الناس. وإنّ أكبر المخاوف هو الأكثر فائدة. والحرب هي “الخوف” الذي لطالما خدم الطغيان الحاكم. هذا لأن الحـرب تـشتمل على الخطر الشامل للجميع؛ ومن خلال توحيد صفوف أفراد الشعب (ضدّ خطر الحرب)، يمكن أن تصبح الحرب أداة تخدم مآرب الاستبداد، إذ تجمع كل القـوّة في يد سلطة واحدة، في حين أنّ الديمقراطية هي – على العكس مِن حُكم الجهة الواحدة – دائمًا متعدّدة السلطة وتتضمّن لامركزيّـتها.

يقول الكاتب إنّ الديمقراطية الحقيقية هي الفوضى السياسية. والحروب لا تُـربح من خلال الفوضى السياسية، والناس يعون هذا، لذا يلجؤون غريزيًّا إلى إطاعة سلطة الأمر الواقع الحاكمة (المستبدّة)، عندما يرون مقدّمات الحرب تلوح في الأفق. فتستغلّ السلطة المستبدّة الروحَ الجماعية الناشئة بين أفراد الشعب، من خلال التـذرّع بالحرب لتبرير بناء آليّات حُكم تكون أوسع نطاقًا وأكثر تجذّرًا، ولا تتفكّك مع انتهاء الحرب.

كذلك؛ إنّ تكاليف الحرب التي تضطرّ السلطة الحاكمة (المستبدة) إليها، تعطي ذريعة مقبولة لفرض الضرائب على الشعب. لذا، كلّما كان نظام سياسيٌّ استغلالـيًّا، كان بالقدر عينه معتمدًا على الإنفاق العسكريّ. ولطالما كانت قيمة الحرب كامنة كذلك في قدرتها على تشكيل الرأي العام المنقاد لسلطة الأمر الواقع.

أطُـر اختبارية تُـقصي الانتهازيـين

إنه معيب أن تكون ثـلّة من البلوتقراطيين والساسة الانتهازيين، يصلون إلى مراكزهم الفارهة المرموقة من خلال الأنانية والجُبن الوصوليّ، في مجتمع يكون فيه أناس شرفاء يتطوّعـون للتضحية بحياتهم في إطار وظائفهم، مِن رجال إطفاء أو ضبّاط في الشرطة أو جنود في المؤسسة العسكرية.

الحل لهذا الوضع المزري، كما يرى الكاتب، يكمن في استحداث نظام جديد يثـمّن أهمية التضحية الشخصية لا سيّما في إطار العمل السياسي؛ إضافة إلى عـزل سلطة المال كلـيًّا عن السياسة، وإنشاءِ أطُر اختبارية تضمن إيصال ذوي الأهلية – غير الانتهازيين الأنانيين – إلى حيّز السلطة.

بهذا نقْدِر على التخلّص من الدمار الذي حلّ بالوسَط السياسي في مجتمعاتـنا على مدى سنين من الفساد السياسي غير المقـيَّد؛ وبالتالي نضمن استمرارية الكينونة الاجتماعية-السياسية لمجتمعاتنا.

إنّ الحضارة اليوم هي في حالة من الخطر المميت؛ إذ إنّ الرأسمالية الدولية تودي إلى الخراب الدائم للديمقراطية والحيوية الثقافيّة. وإنّ العالم يحتاج إلى حركة تعيد إرساءَ مبادئ الحرية والعدالة في مكانها الصحيح بوصفها أولوية مقـدَّسة.

حرية التعـبير… مكـبَّلة قانونـيًّا!

ثمة إطار مهمّ يصبح فيه حيّز القانون بلا فاعليّة، من الناحية الأخلاقية؛ هو إطار حرية التعبير عن الرأي والمعتقَـد، وممارسة الحياة الاجتماعية بشكل طبيعي. إنّ من المفترَض أن تكون حرية التعبير عن الرأي والمعتقد، حـقًّا مُصانًا في جميع الدوَل الديمقراطية؛ إلا أنه في الواقع يتمّ قمع هذه الحرية عبر جميع الوسائل القانونية!.

فإنّ الإجراءات العقابية التي تطال مَن يعبّر عن أفكار لا تروق للآخرين، هي المعيار السائد بدل أن تكون الاستثـناء. وثمة القليل من الحالات التي تشهد الملاحقة القانونية والمحاسبة ضدّ مَن يمنع التعبير عن الرأي.

نحن نلاحظ مثلًا أنّ أيَّ شخصية عامّة ذات حدّ أدنى من الفطنة، ستمتـنع عن البوح بآرائها التي قد تثير جدالًا ونقمة لدى أوساط الرأي العامّ، لدى إطلالتها في البرامج الحوارية على شاشة التلفزيون. ذلك لأن هذه الشخصيات العامة تمتلك من الوعي ما يكفي لإدراك أنّه لو كانت لديها معتقدات تتعارض مع العصبيات السائدة في المجتمع، أو تتنافى مع وجهة نظر مجموعة آيديولوجية ذات نفوذ فيه؛ فإنّ العواقب الوخيمة التي ستترتب على “حق” هذه الشخصيات في إبداء رأيها، ستكون أقسى بكثير من اضطرارها إلى تبرير قيامها بحقها هذا.

لذا؛ فإن التعبير الحـرّ عن الرأي والمعتقـد في المجتمعات الديمقراطية، واقعًا، يكاد يكون تعبيرًا حرًّا ضمن إطار العواقب القانونية الصريحة!… وهذا لا يلامس شيئًا من حقيقة التعبير الحرّ الفعليّ.

حزينة هي مقولة “فولتير” الشهيرة: “أنا لا أتّفق معك في الرأي؛ إلا أنني سأدافع، حتى الموت، عن حقك في إبداء رأيك”. فلا معنى، واقعًا، لافتراض أنّ لدينا الحق في قول ما نريد؛ لأنّ ثوابتَ المافيا ومكائـدَ ذوي النفوذ في مجتمعاتنا، تستطيع أن تجعل من الصدق الذي نعيشه مع أنفسنا شيئًا لا يُحتمَل.

فلنفترض أنّ شخصًا يعتقد بشي مما قد يتعارض مع اتجاهات الكثيرين مِن حولِه؛ كأن يكون مؤمنًا بالحياة بعد الموت، أو مثيلِها من الحقائق الماورائية. هذا الإيمان، مع كونه غريبًا لدى كثيرين، لا يشكّل خطرًا فعلـيًّا على سلامة أحد. ولنفترض كذلك أنّ هذا الشخص لا يكرز ولا يعظ بمعتقده هذا، ولا يفرضه على أحد. فهل هو، إذن، في أمان ليبـوح به؟… الجواب هو: كلا!… فإنّ من الأفضل أن يظلّ معتقدُه هذا، غيرُ المقبول لدى أشخاص معيّنين مِن حولِه، مكتومًا في صدره. وإنّ قولنا، في هذه الحالة، إنّ هذا الشخص “حـرّ” في التعبير عن معتقده، يشبه قولنا إنّ جميع السجناء هم أحـرار فعلـيًّا، لأنْ ليس ثمة سجن لا يمكن الهروب منه!… فكأنه يكون خطأ المسجونين، إذن، إذا لم يلتفـتوا إلى سبيل متاح لهم يهربون عبره من السجن!

………………..

انتهی / ۱۰۲

  • facebook
  • googleplus
  • twitter
  • linkedin
لینک خبر : https://kheybar.net/?p=15465

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *